ألعاب أطفال في روضة محترقة… هذا ما استهدفته إسرائيل بغزة

لم تكن المباني التي دمرتها المقاتلات الإسرائيلية في هجومها الأخير على قطاع غزة مجرد حجارة، تهاوت، ويمكن إعادة إعمارها، فتلك الجدران انهار معها تاريخ وأحلام وذكريات لن يكون من المتاح ترميمها. 

بنايات سكنية، وروضة أطفال وقناة فضائية، ومواقع عسكرية، هي ما قصفه سلاح الجو الإسرائيلي خلال هجومه على غزة، ليل الإثنين/ الثلاثاء الماضي. 

وفي الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل أنها دمرت منشآت عسكرية فقط، فإن لألعاب الأطفال الممزقة، والأثاث المحترق، وبقايا الكتب والدفاتر، والكاميرات المحطمة التي انتشلت من بين الدمار، أقوال أخرى. 

**روضة الأطفال 

بدأنا جولتنا في روضة “شهد” للأطفال، الواقعة في البناية الملاصقة لبناية “اليازجي” التي دمرتها إسرائيل بالكامل. 

وفي غرف وأروقة الروضة، التي تديرها ابتسام اليازجي، تتناثر المقاعد المحطمة والدفاتر والكتب والألعاب الاسفنجية الممزقة من شدة القصف. 

وتقول اليازجي، بينما كانت تجمع الأثاث والألعاب التي نجت من القصف:” قبل ساعات من القصف كان في هذا المكان 200 طفل يلعبون ويتلقون دروسهم ويرسمون ويصنعون مجسمات عفوية وجميلة من الصلصال”. 

“لن يتمكن الأطفال من القدوم إلى الروضة مجددا، فقد حطمت الغارات الإسرائيلية كل شيء تقريبا، وقد يكون المبنى معرضا للانهيار”، تكمل اليازجي. 

**عمارة اليازجي 

وفي بناية “اليازجي” المكونة من 7 طوابق، بحي “الرمال” غربي المدينة، هناك 14 شقة سكنية ومتاجر ألبسة، وناد رياضي، قصفت بأكثر من 10 صواريخ ليفقد العشرات من المدنيين منازلهم ومصادر رزقهم. 

الطفل الفلسطيني يزن اليازجي (12 عاما) تحدث لمراسل وكالة الأناضول، بينما كان يشير إلى باب معلق بالهواء لإحدى غرف شقتهم، فالغارات الإسرائيلية قسمت البناية إلى نصفين فدمر أحدهما وبقي الثاني معلقا. 

ويقول اليازجي: “معظم سكان هذه البناية هم من الأطباء، لا أدري لماذا قصفتها إسرائيل فلا يوجد هنا أي منشآت عسكرية”. 

ويضيف:” لا أعلم كيف سأذهب للمدرسة غدا، لقد احترقت كتبي وحقيبتي وملابس المدرسة فقد هربنا من المنزل بعد قصفه بالصاروخ الأول بملابسنا فقط”. 

**مأساة عائلة ضهير 

في منزل عائلة ضهير وسط مدينة رفح، أقصى جنوبي القطاع، يمكن مطالعة جانب من تلك الحكاية، فقبل أن تحوّله 4 صواريخ إسرائيلية إلى ما يشبه بيت الأشباح، كانت غرفه الأربع تضج بتفاصيل الحياة، فهناك عاشت أسرة من 10 أفراد. 

وداخل إحدى تلك الغرف التي صبغت جدرانها بلون السماء، وزينت برسوم ملونة زاهية لشخصيات كرتونية، كانت الأم تراجع مع أطفالها دروسهم قبل أن يحين موعد وجبة العشاء. 

لكن الصواريخ الإسرائيلية لم تمنحهم الكثير من الوقت قبل أن ينفجر أولها في غرفة مجاورة ليحولها إلى كومة من الركام. 

ذلك الانفجار كان كفيلا بإيقاف صوت أبيات الشعر التي حاول الطفل “محمد” حفظها، لينطلق صوت الصراخ في كل مكان، ولتحمل الأم بعض أطفالها وتدفع البقية ليركضوا إلى الخارج، فالصاروخ الصغير الذي ضرب الغرفة المجاورة، يعرفه سكان غزة جيدا، فهو قذيفة تحذيرية، تطلقها الطائرات قبل دقائق من تدمير المنزل كليا. 

وفي الدقائق الأخيرة، قبل أن يسقط الصاروخ الثاني، لم يكن أمام الأطفال ووالدتهم أي وقت لحمل متاعهم، فكل ما كان بإمكانهم الهرب به هو أجسادهم، فالمقاتلات الإسرائيلية لا تنتظر طويلا قبل أن تعود بالدمار. 

وخلال أقل من ثلاث دقائق، كانت الأم وأطفالها ووالدهم الذي كان في شركته المجاورة للمنزل، وأفراد 5 عائلات أخرى تقطن في المنازل المجاورة، يركضون على بعد نحو 350 مترا من المنزل في زقاق قريب. 

ولم تمض 4 دقائق بعد الانفجار الأول، حتى اهتزت الأرض بأصوات ثلاثة صواريخ متتالية استهدفت أرضا خالية تتوسط 5 منازل لعائلة ضهير، فدمرت بعضها كليا وأخرى بشكل جزئي، وكأن زلزلا ضرب المنطقة. 

تلك الانفجارات المتتالية، لم تدمر الحجارة فحسب، فمذكرات الأطفال احترقت قبل أن يجف حبرها، والألعاب والحقائب المدرسية تبعثرت بأرجاء المنزل، وحتى كأس القهوة الملون المفضل لدى الأم تحطم وتناثر في كل مكان. 

“القصف دمر منزلنا وأرواحنا… حياتنا كانت هنا… هذه ليست مجرد حجارة ففي كل زاوية من البيت لدينا ذكرى جميلة”، يقول كامل ضهير، أحد أفراد العائلة، لمراسل وكالة الأناضول. 

ويضيف ضهير:” شركة بيع الأعلاف التي نملكها، والملاصقة للبيت دمرت كليا أيضا، واحترقت أموالنا (52 ألف دولار أمريكي)، لتقضي الصواريخ الإسرائيلية بذلك على كل شيء لنا”. 

**عائلة البريم 

عائلة البريم في مدينة خانيونس (جنوب)، عاشت نفس المأساة التي مرت بها عائلة “ضهير”، فمنزلها لقي مصير سابقه في ذات الليلة بعد أن أغارت عليه الطائرات الإسرائيلية بثلاث صواريخ. 

وبينما يحملق الفلسطيني نصر الله البريم، فيما تبقى من منزله متعجبا من قوة الصواريخ الإسرائيلية التي اخترقت سرداب البيت ودمرت قواعده الخرسانية، يقول لمراسل الأناضول:” انظر لهذه الحفرة العميقة، كأن بركانا انفجر أسفل المنزل، لا أدري لماذا تستخدم إسرائيل كل هذه القوة ضدنا، نحن مدنيون لا نشكل أي خطر عليها”. 

ويضيف بابتسامة ممزوجة بمشاعر الحسرة:” هذا المنزل كان كل شيء في حياتنا، هنا فرحنا وهنا بكينا وهنا قضينا ليالي الشتاء نحتسي الشاي والقهوة الساخنة، تحت هذا السقف أطعمت أحفادي ولاعبتهم”. 

وفي لحظة لم يفلح الفلسطيني فيها بالسيطرة على دموعه، توقف عن الكلام وعاد ليتأمل بحجارة منزله ويدور حول أنقاضه باحثا عن أي ناج من ذكرياته، فجمع مع أحفاده قطع الأثاث غير المحطمة وبعض الكتب. 

**فندق الأمل 

ليس الذكريات الجميلة وألعاب الأطفال والمنازل والمتاجر ما دمرته إسرائيل في غزة فقط، خلال هجومها الجوي، فأثار المدينة كانت ضحية أيضا، فالقصف طال مبنى “فندق الأمل” الذي يعكس جزءا من تاريخ المدينة الفلسطينية الحديث. 

فالمبنى المكون من 4 طوابق ويمتد على مساحة تزيد عن 1000 متر مربع، بني خلال فترة الحكم المصري للقطاع في ستينات القرن الماضي، وبات أحد أشهر المعالم التي تتميز بها مدينة غزة. 

وعلى مدار نحو (40 عاما) كان المبنى فندقا ومطعما سياحيا ومقهى، يفضله معظم الوفود السياحية التي تزور القطاع، ولكن بعد سنوات قليلة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وتراجع السياحة انتقلت ملكيته إلى الحكومة. 

وخلال السنوات الأخيرة حافظ على اسمه، لكنه كان مقرا لوزارة الصحة الفلسطينية، قبل أن يتحول منذ نحو عامين لمؤسسة حكومية أمنية. 

العجوز الفلسطيني محمد خالد (66 عاما) الذي يقطن منذ مولده في منزله القريب من “فندق الأمل” يقول لمراسل وكالة الأناضول:” طالما كان هذا المبنى جزءا من ماضينا الجميل حتى أصبحت منطقتنا تحمل اسمه”. 

ويضيف:” هذه المنطقة كانت قبلة للسياح الأجانب فهي قريبة من البحر وفيها (فندق الأمل) أفخم نُزُل سياحي بالمدينة، في تلك الفترة”. 

“كل من في المنطقة يشعر بغصة في حلقه بعد قصف الفندق فقد كان معلما يميز المنطقة ويذكرنا بسنوات جميلة مضت”، يكمل العجوز خالد. 

**فضائية الأقصى 

مبنى آخر دمرته الغارات الإسرائيلية كان العاملون فيه يحاولون على مدار الساعة نقل صورة غزة الجميلة ومعاناة سكانها جراء اعتداءات الاحتلال وحصاره المتواصل لها إلى العالم عبر قناتهم الفضائية “الأقصى”. 

ومن مبنى فضائية “الأقصى”، كانت تُبَث عبر الأقمار الصناعية صور وكلمات تروي حكاية مأساة وحروب وأزمات عاشها القطاع خلال السنوات الـ12 الماضية، منذ فرض الحصار الإسرائيلي عليه عام 2006. 

وتحاصر إسرائيل غزة، حيث يعيش أكثر من مليوني نسمة، منذ أن فازت حركة “حماس” بالانتخابات التشريعية الفلسطينية قبل 12 عاما. 

ويبدو أن التعاطف العربي والعالمي الذي خلقته وسائل الإعلام مع الفلسطينيين في غزة لم يرق لإسرائيل فكان مقر فضائية “الأقصى”، التابعة لحركة حماس، ضمن بنك أهدافها. 

ورغم أن الصواريخ الإسرائيلية نجحت في تدمير المبنى بالكامل إلا أن بث القناة الذي انقطع لعدة دقائق سرعان ما عاد من مكان غير معلوم، ليواصل نقل مجريات الأحداث في غزة خلال التصعيد العسكري. 

ومنذ مساء الأحد الماضي، شن الجيش الإسرائيلي هجمات على قطاع غزة؛ ما أسفر عن سقوط 14 شهيدا، فضلًا عن تدمير منشآت مدنية، وردت فصائل فلسطينية مسلحة بإطلاق عشرات الصواريخ على أهداف إسرائيلية، قبل أن تنخفض وتيرة الأمور الثلاثاء، عقب الإعلان عن توصل لاتفاق تهدئة بوساطة مصرية ودولية. 

الأناضول

Leave a Comment