الحريري يهزّ أركان التيار الأزرق.. استرضاء لمن؟

لا تزال ترددات الانتخابات النيابية ترخي بثقلها على الساحة الداخلية اللبنانية، ولعل “الانتفاضة” التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري داخل تيار المستقبل أكبر دليل على التخبط الذي رافق جميع التيارات السياسية في لبنان، لا سيّما بعد الكشف على تراجع أحجام العديد من الكتل السياسية وتحديداً كتلة المستقبل النيابية. فالخروقات الكبيرة التي مني التيار الأزرق وتحديداً في دائرتي طرابلس وبيروت الثانية، دفعت بالرئيس الحريري الى إجراء “نفضة” وإعادة هيكلةٍ داخل تيار “المستقبل”، مُتّخِذاً سلسلة قرارات تنظيمية.

توقفت الصحف الصادرة عند سلسلة الإجراءات التنظيمية التي اتخذها الحريري في “تيار المستقبل”، فأشارت “المستقبل” إلى أن “النظريات والتكهنات” توالت تحليلاً وتأويلاً للأسباب الكامنة وراء القرارات التي اتخذها الرئيس الحريري بصفته رئيساً لـ”تيار المستقبل”، وحرص الحريري ليلاً على قطع دابر التنظير والتكهن فحصر الموضوع بـ”سبب واحد هو المحاسبة”، كما جاء في تغريدة له على موقع “تويتر” وأردف مضيفاً: “جمهور المستقبل قال كلمته وأنا سمعتها وتطلعات الناس وآمالها لن تخيب أبداً. سبق وقلت للكل سعد الحريري 2018 غير”، فيما أشارت”الجمهورية” إلى أن الحريري سارَع بعد الاحتفال بمهرجان النصر في “بيت الوسط” إلى إجراء “نفضة” وإعادة هيكلةٍ داخل تيار “المستقبل”، مُتّخِذاً سلسلة قرارات تنظيمية.

وقالت مصادرُ مطّلعة في “التيار” لـ”الجمهورية” إنّ لكلّ مَن طاولته أسباباً إدارية ومالية وانتخابية. أضافت المصادر: “بمعزل عن القرار الذي اتّخَذه نادر الحريري بالاستقالة التي تقدَّم بها منتصفَ الأسبوع الماضي وانتظر جواباً حتى مساء أمس الاوّل قبل أن يغادر الى باريس، فإنّ القرارات الأخرى لا تحتمل كثيراً من التفسير. فهي محصورة بقراءة الرئيس الحريري لنتائج الانتخابات بعد إقفال صناديق الاقتراع، ما دفعَه إلى محاسبة المسؤولين عمّا آلت إليه هذه النتائج”.

وقالت مصادر”الجمهورية“: “إنّ الحريري “سأل ماكينته الانتخابية: لماذا لم نسجّل نسبةً عالية من المشاركة في الانتخابات كما كانت مقدَّرة مسبَقاً؟ ومَن هو المسؤول عن بقاء الناس في منازلهم؟ وأين ذهبَت أصوات الكتل السنّية الموالية الكبيرة في أكثر من دائرة انتخابية، بدءاً من دائرة بيروت الثانية قبل الأولى؟ وأين هي الأرقام التي تحدّثتم عنها قبل فتحِ صناديق الاقتراع في دائرة الشمال الثانية، أي في البترون والكورة وزغرتا؟ ولمن انتخبَت هذه القاعدة؟ والأمر نفسُه حصَل في زحلة والبقاع الغربي؟ ولماذا تظاهرَ في أكثر من منطقة المندوبون المكلّفون تمثيلَ لوائح “المستقبل” على أقلام الاقتراع ومحيطها لنيل حقوقِهم وبدل أتعابهم؟ وأين هي المخصّصات المحِقّة لهم؟”.

وأضافت مصادر”الجمهورية“: “على هذه الأسُس وبعد تحديد المسؤوليات، انتهى الرئيس الحريري الى حلّ المنسّقيات الانتخابية وعزلِ المسؤولين عن إدارتها مباشرةً أو أولئك الذين تحمّلوا مسؤوليات محدّدة في أثناء التحضيرات للانتخابات. ولذلك فإنّ أيَّ تفسير آخر لا يحتمل أن يؤخَذ على محمل الجد”.

محاسبة عشية الاستحقاقات

ولفتت “النهار” إلى أن الاجراءات التنظيمية الجارية في “تيار المستقبل” منذ السبت الماضي خطفت الأنظار واهتمامات الأوساط السياسية نظراً الى دلالاتها البارزة وتوقيتها بعد أقل من أسبوع من الانتخابات.

وبدا واضحاً لـ”النهار” أن الحريري قد أطلق آليات غير مسبوقة في المحاسبة الداخلية لن تقف عند أي اعتبار قبل استنفاد أهدافها في تنقية التيار وتثبيت آلية المحاسبة فيه. وهو الأمر الذي تؤكده المعطيات التي تتوقع المضي في هذه العملية وعدم توقفها قبل استمكال اجراءات الاعفاءات التي تشمل مسؤولين في هيئات ومنسقيات ومسؤولين تنظيميين بارزين.

في المقابل، لفتت “النهار” إلى أن هذه المعايير لا تنطبق على استقالة مدير مكتب الحريري السيد نادر الحريري والتي تندرج في خانة خاصة ومختلفة تعود أساساً الى رغبته في ترك العمل السياسي منذ نشوء أزمة استقالة الرئيس الحريري. إلا أن الأوساط السياسية تعاملت مع خروج نادر الحريري من حلقة المستشارين الأساسيين لرئيس الوزراء باعتباره تطوراً استثنائياً لا ينفصل عن تداعيات الانتخابات وكذلك آفاق العلاقات المقبلة للرئيس الحريري العائد حتماً الى رئاسة الوزراء ان على الصعيد الداخلي أو على الصعيدين الخارجي والخليجي بما يؤذن بترتيبات ستتكشف طبيعتها ودوافعها لاحقا.

الانتخابات وهزّة “التيار”

من جهتها، لفتت “اللواء” إلى أن “الهزة التنظيمية” في تيار المستقبل، بقيت في واجهة الاهتمام السياسي، وسط أسئلة تتعلق بانعكاسها على “التيار الازرق” وعلى التسوية السياسية ككل، وإن بدت وكأنها اجراء داخلي، تنظيمي له علاقة بالتهاون في المهمات الانتخابية الأمر الذي أدى إلى خسارة عدد من النواب وفقاً لمصادر مطلعة وهو الأمر الذي جرت متابعته في عواصم دولية وإقليمية، تتركز على الأسباب التي أدّت الى نقصان عدد الكتلة على نحو ما حصل.

وأشارت “اللواء” إلى أن القرارات التنظيمية التي اصدرها الحريري، على صعيد البنى التحتية في تيّار المستقبل، اضفت مزيدا من السخونة على الجو السياسي في البلاد الذي خلفته الانتخابات النيابية ، وأعطت في المقابل للمرشحين الذين يشكون من التعسف في نتائج الانتخابات نتيجة عمليات التزوير والفرز، مزيدا من المصداقية على اعتزامهم تقديم طعون بالنتائج لدى المجلس الدستوري، خصوصا وان قرارات الحريري جاءت في معظمها على خلفية فشل الهيئات الانتخابية داخل تيّار المستقبل في إدارة العمليات الانتخابية، مما أدى إلى تقليص عدد نواب كتلة التيار بنحو 13 نائبا، فضلا  عن ضعف الإقبال على الاقتراع ولا سيما في بيروت الثانية، رغم الجهود الشخصية والمضنية من قبل الرئيس الحريري شخصيا.

والبارز لـ”اللواء“على صعيد هذه القرارات، كان في تقديم مدير مكتب الحريري نادر الحريري استقالته من كافة المسؤوليات التي كان يتولاها في مكتب الحريري، بحسب ما أفاد المكتب الإعلامي للحريري الذي أضاف بأن الرئيس الحريري شكر نادر على الجهد الذي بذله طوال فترة توليه المنصب، متمنيا له التوفيق في كل ما يتطلع اليه، وتقرر بناء عليه تكليف محمّد منيمنة تولي مهام مدير مكتب الرئيس الحريري بالوكالة.

في السياق، اكد مصدر مسؤول في “تيار المستقبل” ان “كل ما يدور حول استقالة نادر الحريري من قصص وروايات مؤامراتية وتسلم مناصب ومسؤوليات جديدة هي من نسج خيالات مطلقيها. والقضية باختصار ان نادر الحريري قرر ان يستقيل من كامل مهامه في ادارة مكتب الرئيس سعد الحريري، واتخذ خيارا خاصا بتغيير مسار عمله وحياته. وقد قبل الرئيس الحريري استقالته مؤكدا دعمه في خياره الجديد، ومتمنيا له التوفيق، وقدم له الشكر على جهوده التي بذلها خلال فترة عمله”.

في المقابل، لم تستبعد مصادر مطلعة لـ”اللواء” ان تكون استقالة نادر جاءت على خلفية الانتخابات الأخيرة، باعتبار انه كان المسؤول عن التحالفات التي نسجها في عدد من المناطق، ولم تأت نتائجها مطابقة للتوقعات.

ونقلت “اللواء” عن محطة “lbc” عن مصادر في تيّار المستقبل ان أسباب استقالة نادر الحريري لا تتوقف عند نتائج الانتخابات وإنما تعود لايام سابقة ابان أزمة استقالة الحريري من رئاسة الحومة من الرياض. واضافت: “بين الحريريين خلافات قديمة، وهذه ليست المرة الأولى التي يقدم بها الحريري استقالته فسبق له ان تقدّم بها سابقا وفي مرّة ثانية سافر إلى باريس وغاب أسبوعين وهذه الثالثة، مشيرة الى ان الاستقالة حصلت الخميس الا انه لم يعلن عنها سوى نهار السبت، كاشفة ان مروحة الاستقالات والاقالات لم تنته بعد”.

استرضاء الشارع أم السعودية؟

من جهتها، كتبت “الأخبار“: “فجأة، ومن دون سابق إنذار، وجدَ تيار المُستقبل نفسه أمام انقلاب شبيه بذاك الذي نفذه الأمير محمد بن سلمان في الرياض على “الفاسدين”. انقلاب كان بطله هذه المرة الرئيس سعد الحريري الذي ثار على “المقصرين” في “بيته الأزرق” وأطاحهم، الواحد تلو الآخر. نتائج الانتخابات النيابية صادمة. قرر الحريري “دقّ الحديد وهو حامي”. بدأ ورشة “تطهير”. أسماء طارت، وأخرى تنتظر المصير نفسه”.

استقالة نادر: لا خلفية اقليمية أو محلية

وأكد قيادي بارز في تيار “المستقبل”لـ”الحياة” أن لا رابط بين قبول زعيمه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري استقالة مدير مكتبه نادر الحريري من المسؤوليات التي يتولاها، وبين القرارين اللذين صدرا عنه في شأن إعفاء وسام الحريري (منسق عام الانتخابات) من مسؤولياته في هيئة شؤون الانتخابات وإعفاء ماهر أبو الخدود (مدير المتابعة في مكتب الرئيس) من مهماته في التيار.

وكشف القيادي نفسه لـ “الحياة” أن الاعتقاد بوجود رابط بين قبول الحريري لاستقالة مدير مكتبه وبين إعفاء أبو الخدود والحريري، ليس في محله وإن من يروّج له ينطلق في ترويجه من اجتهاد ليس موجوداً في الأساس. ولفت إلى أن البعض ممن أخذوا على نفسهم “الاجتهاد والتحليل” لا يعرف حقيقة العلاقة التي تربط الرئيس الحيرري بنادر (ابن عمته النائب بهية الحريري) والتي لا تعتمد أبداً على صلة القربى وإنما على العلاقة الوطيدة بينهما التي كانت وراء تكليفه له بمهمات سياسية، ومنها مشاركته إلى جانب وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق والنائب سمير الجسر في حوار “المستقبل” مع “حزب الله” برعاية رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي انتدب معاونه السياسي وزير المال علي حسن خليل لتمثيله في الحوار الذي كان من أولوياته خفض منسوب التوتر بين الطرفين لما يسببه من احتقان مذهبي وطائفي.

أكد القيادي لـ”الحياة” بأن نادر الحريري طلب من الرئيس الحريري إعفاءه من منصبه وأنه ألح على طلبه منذ فترة طويلة سبقت إجراء الانتخابات النيابية، بذريعة أنه تعب ويريد أن يرتاح. وقال إن الحريري قبل استقالته لأنه يقف الآن أمام مرحلة سياسية جديدة في أعقاب إنجاز الاستحـــقاق النيابي. واستغرب ما أخذ يشاع فور موافقة الحريري على استقالة مدير مكتبه، ومنها أن الاستقالة تأتي استجابة لرغبات محلية وإقليمية وقال إن لا خلفية من هذا القبيل وراء استقالته، وأن التواصل بينهما سيبقى قائماً، خصوصاً أن من يروّج لمثل هذه الشائعات أو غيره يعرف جيداً الثقة التي منحها رئيس الحكومة لمدير مكتبه وتكليفه له بمهمات التواصل مع القوى السياسية.

وبالنسبة الى إعفاء وسام الحريري وأبو الخدود أكد القيادي لـ”الحياة” بأن إعفاءهما من مهماتهما يأتي في سياق التوجه العام لرئيس الحكومة بتطبيق مبدأ المحاسبة والمساءلة، وقال إنها الخطوة الأولى على طريق خطوات أخرى سيتخذها لتدارك الخلل الذي حصل أثناء الانتخابات النيابية وتصحيح الثغرات التي ظهرت للعيان.

في السياق، استذكر القيادي لـ”الحياة” ما كان أعلنه الحريري فور إعلان نتائج الانتخابات النيابية “من أن هناك أداء ما في تيارنا السياسي لم يكن على قدر المستوى المطلوب وسنتعامل مع هذا الأمر في داخل التيار”. وقال إن من يخلط بين إعفاء أبو الخدود ووسام الحريري وبين قبول استقالة مدير مكتبه لا يظن أنه يجهل علاقته بالأخير الذي يعتبر من قبل قياديين في “المستقبل” وفي خارجه، بأن نادر الحريري كان الأبرز على صعيد كاتمي أسراره السياسية، ويصنفونه على أنه من القلائل الذين يأخذون على عاتقهم الاحتفاظ بسرية المداولات السياسية وتحديداً تلك التي يكلفه بها رئيـــس الحكومة، واستمر في منصبه منذ الأشهر الأولى التي تلت اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وبات يعرف برجل الظل الأول لسعد الحريري.

للتذكير، فقد كان الحريري حلّ هيئة الانتخابات والماكينة الانتخابية ومنسقيات في “التيار”، فضلاً عن إعفاء عدد من المسؤولين حسبما أوردت الأمانة العامة لـ”المستقبل” في سلسلة من البيانات جاء فيها تباعاً:

“بناءً على المادة الواحدة والأربعين من النظام الداخلي (الفقرتان 1 و 2)، وبعد الاطلاع على مجريات الحراك الانتخابي في كافة الدوائر، والتقارير الواردة في شأنه، وعلى عمل هيئة شؤون الانتخابات والماكينة الانتخابية اللوجستية والتقارير الواردة في شأنه، يقرر رئيس “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري الآتي:

أولاً:

·     أ‌- حل هيئة شؤون الانتخابات والماكينة الانتخابية اللوجستية بصورة عامة، وتكليفها متابعة تصريف الأعمال، الى أن يحين اتخاذ قرار بديل.

·     ب‌- طلب استكمال وإعداد تقارير التقييم المفصلة لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، وفقاً لقواعد العمل السياسي والتنظيمي في التيار.

ثانياً:

·      أ‌- حل الهيئات التنظيمية القيادية (مكتب ومجلس المنسقية) بصورة عامة، في كلٍ من: منسقية بيروت، منسقية البقاع الغربي وراشيا، منسقية البقاع الأوسط، منسقية الكورة، ومنسقية زغرتا، وتكليفها متابعة الأعمال الى أن يحين الإعلان عن قرارات بديلة.

·     ب‌- دعوة كل الهيئات في المنسقيات والقطاعات والمصالح لاستكمال تقاريرها التقييمية، لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، وفقاً لقواعد العمل السياسي والتنظيمي في التيار.   

·     إعفاء السيد وسام الحريري (منسق عام الانتخابات) من مسؤولياته في هيئة شؤون الانتخابات.

·     السيد ماهر أبو الخدود (مدير دائرة المتابعة في مكتب الرئيس) من مهامه في التيار”.

Leave a Comment