لبنان أمام خيارين… و”ساعة الحقيقة” تقترب

يُراوِح لبنان بعد الاستقالة المُفاجِئة لرئيس الحكومة سعد الحريري و”ألغازِها” وما انطوى عليه إعلانُها من السعودية من دلالاتٍ، بين كرتيْن… “كرة نار” المواجهة التصاعُدية على خط إيران – السعودية والتي يشكّل “حزب الله” جبهةً رئيسية فيها، و”كرة ثلج” من أزمةٍ سياسية صاخبة ومتدحْرجة لن تنتهي إلا عبر تسوية جديدة تعيد صوغ التوازنات المختلة في البلاد وتحدد التموْضع الاستراتيجي للبنان.
وإذا كانت “قرقعة السلاح” التي يَتردّد صداها في أفقِ الصراع السعودي – الإيراني تخيّم على لبنان الذي انضمّ إلى ساحات هذا الصراع، فإن الغبار الكثيف، وبعضه “مفتعَل”، الذي ما زال يحوط باستقالة الحريري وملابساتها لم يحجب ثابتتيْن كرّستْهما الخطوة الدراماتيكة لرئيس الحكومة: الأولى وقْف مسار الانحدار في الواقع السياسي، تحت غطاء التسوية التي أُبرمت قبل عام، نحو التسليم الكامل بـ “القبضة الإيرانية” على البلاد كواحدة من حلقات “هلال النفوذ” الإيراني في المنطقة، والثانية معاودة وضْع “حزب الله”، سلاحاً وأدواراً، على الطاولة كعنوانِ أزمةٍ سياسية بعدما كان هذا الملف الخلافي تُرك “على الرفّ”، بوصْفه مشكلة اقليمية – دولية، لمصلحة خيار “ربْط النزاع” صوناً للاستقرار وتحييداً للبلاد عن “ملاعب النار” المحيطة بها.
والأكيد أن استعادة وضعيّة “الاشتباك” في الداخل حول سلاح “حزب الله” وأدواره ستشكّل معياراً يتحدّد بموجبه مساران:
* الأوّل تعاطي السعودية وحلفائها مع لبنان بعدما رسمتْ المملكة “خطوطها الحمر” حيال “حزب الله” وأي تغطية لبنانية له وصولاً الى تلويحها باعتبار حكومة لبنان معادية و”سنعاملها كحكومة إعلان حرب بسبب ميليشيات “حزب الله”، وسط معلومات عن “رزمة إجراءات” عقابية جاهزة سياسية وغير سياسية واقتصادية بحال تمت إدارة الظهر لممارسات الحزب التي تصفها الرياض بـ “العدوانية” وجرى إشراكه في الحكومة الجديدة.
وثمة انطباعٌ لدى أوساط مطّلعة في بيروت بأنّ السعودية التي تراقب الوقائع الميدانية في سوريا وما تعبّر عنه من محاولة تكريس النفوذ الإيراني، تريد حرمان طهران فرصة استثمار تمدُّدها على الرقعة السورية في الساحات الأخرى ولا سيما في اليمن ولبنان، فجاء “الضرب على الطاولة” في الملف اللبناني بمثابة إعلان دخول على مرحلة التسويات في المنطقة من موقع قوة وبما يلاقي الاستراتيجية الأميركية الرامية الى تحجيم الدور الاقليمي لإيران وهو العنوان الذي شكّل المحور الرئيسي لقمة الرياض الشهيرة. علماً ان تقارير تحدّثت عن زيارة سيقوم بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان (المكلف الملف اللبناني) لواشنطن في الساعات المقبلة.
* والثاني مصير مرحلة ما بعد بتّ استقالة الحريري وتشكيل حكومة جديدة. وإذا كان السقف السعودي “الحازم” والموقف السنّي الموحّد الذي ترعاه دار الفتوى في مقاربة خطوة رئيس الحكومة ومعانيها تجعل تسمية الشخصية السنية المرشحة لرئاسة الحكومة قراراً لا كلمة لـ “حزب الله” أو سواه فيه، وسط عدم استبعاد اختيار شخصية “قوية” مثل الرئيس فؤاد السنيورة بحال عزوف الحريري، فإن ثمة صعوبة في تَصوُّر أن يسير الحزب بخيارات مثل تشكيل حكومة سياسية من دونه، لما يظهّره الأمر على أنه إذعان للإرادة السعودية وتكريس كشْفه أمام العاصفة الخارجية، أو تأليف حكومة تكنوقراط (يُغمز من قناة الرئيس تمام سلام لتشكيلها) من شأنها ترْك الحزب من دون أي غطاء وطني جامِع في لخطة اشتداد الهجمة عليه
وفي حين تؤشر هذه المسارات المقفلة على أن البلاد تتجه إلى مرحلة مفتوحة على المجهول وإلى أزمة كبيرة، استوقفت دوائر مراقبة أمس مجموعة إشارات أبرزها:
* اعتبار رئيس البرلمان نبيه بري ان المشكلة السياسية التي أوجدتْها الاستقالة لا تُحل إلا بحكومة سياسية، في ما بدا قطْعاً للطريق على أي تفكير بحكومة تكنوقراط، مع تشديده على أن “لا استقالة دستورية للحكومة بحسب النصوص والأعراف والآليات قبل أن يعود الرئيس الحريري ليُبنى على الشيء مقتضاه”.
* أوّل موقف من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي يواصل مشاوراته الداخلية والخارجية الماراثونية ويستعدّ للقاء رؤساء البعثات الديبلوماسية العربية والأجنبية، اعتبر فيه كما نقل عنه زواره ان إعلان استقالة الحريري لم يكن وفقاً للأصول الدستورية والأعراف، وبالتالي فهو لن يبتّ بأيّ أمرٍ ومستمر بالتريث ريثما يعود الحريري ويطلعه على ملابسات خطوته.
وإذا كانت المطالبات السياسية بتعليق بتّ الاستقالة بانتظار تقديمها من رئيس الحكومة وجهاً لوجه تندرج في إطار الرغبة في “شراء الوقت” ريثما ينجلي المشهد الخارجي، فإن مفاعيل هذه الاستقالة باتت قائمة سياسياً في ضوء ارتباطها العضوي بالصراع الكبير في المنطقة، وسط معلومات عن أن “ساعة الحقيقة” في هذا السياق تقترب في ظل ترقُّب زيارة قريبة وخاطفة يقوم بها الحريري لبيروت يقدم فيها استقالته بشكل رسمي ويغادر بعدها.

Leave a Comment