ما البدائل عن المسّ بجيوب اللبنانيين؟

أسبوع كامل مر على إنطلاق المناقشات في الموازنة، من دون بلوغ المداولات، مكمن الداء الحقيقي: كيفية تقليص نفقات الدولة، بدليل أن النقاشات الحكومية لا تزال عالقة عند نقطة ما سماها وزير الاعلام جمال الجراح “المواد القانونية”، على أن ينطلق النقاش في موازنات الوزارات، حيث من المتوقع أن تسجل مداولات حامية، نظرا إلى الاعتراضات المرجح أن يبادر إليها الوزراء احتجاجا على احتمالات تقليص موازنات وزاراتهم، لا سيما منها تلك التي توفر الخدمات الاجتماعية للمواطنين بشكل مباشر، مثل وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية.
وفيما ينتظر المجتمع الدولي الحكومة اللبنانية لإعطاء إشارات إصلاحية ايجابية تتيح للدول المانحة “الافراج” عن الأموال التي رصدت لمساعدة لبنان في مؤتمر سيدر، اتخذت المواجهة المفتوحة بين الناس والدولة منحى تصاعديا مختلفا، حيث علا الصوت الشعبي، بجدية للمرة الأولى، لقطع الطريق على المس (المحتمل) برواتب الناس وأجورهم، حيث بلغت موجة الغضب المصرف المركزي للمرة الأولى في تاريخه. وإذا كان اجتماع بعبدا الثلاثي انعكس ايجابية دفعت إلى إلغاء الاضرابات التي اجتاحت البلاد لأيام، فإن هذا لا ينفي أن أصواتا أخرى ستبقى صارخة للمطالبة بتأمين مداخيل الدولة، من باب مكافحة الهدر والفساد، وهو الشعار الذي زيّن خطابات جميع النواب الذين تحدثوا في جلسة الثقة الماراتونية الشهيرة.
 
وفيما تبدو السلطات غافلة عن عدد من الأبواب التي يمكن الركون إليها لمكافحة الفساد، من جهة، وتقليص عجز الموازنة، من جهة أخرى، تلفت مصادر مطلعة عبر “المركزية” إلى أن عملية وقف الهدر تبدأ من المباني المستأجرة من الدولة، علما أن في بعض الحالات، تدفع الدولة قيمة الايجار من دون استخدام المأجور، ما يعني أنها تتكبد نفقات ولا تسفيد منها، تماما كما هي الحال في ما يخص أحد مباني كلية العلوم التابعة للجامعة اللبنانية، والذي فتح ملفه قبل أسبوعين (قبل أن يعود ويطمس جريا على العادة اللبنانية). وتشير المصادر في الاطار نفسه إلى ان احد هذه الابواب يقضي في منع بعض الموظفين والقضاة من استخدام السيارات الرسمية خارج الدوام، إضافة إلى وقف العمل بما يعرف بالعامية بـ “بونات البنزين”، التي يستفيد منها القضاة وكبار الموظفين الرسميين وبعض المسؤولين.
وتضيف المصادر نفسها إلى هذه الصورة، مبادرة الحكومة إلى الغاء ما يعرف بـ “النثريات” في موازنات الوزارات والمؤسسات العامة، علما أن هذه النثريات تبلغ في بعض الأحيان 20% من قيمة الوزارات”، لافتة إلى أهمية إلغاء بند شراء الأثاث والمفروشات على حساب الخزينة.
 
وفي وقت تعلو الأصوات المطالبة بوقف المنح المدرسية والتقديمات التي يستفيد منها الموظفون (كما بدلات الساعات الاضافية)، يدعو آخرون إلى تحديد مدة هذا الاجراء، فيعمل به لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، على أن يصار إلى منع الموظفين من تقاضي أكثر من تعويض من الدولة”.
 
على أن اثنين لا يمكن أن يختلفا على أن الاصلاح لا يمكن أن يسلك المسار الجدي قبل أن  يعمد المعنيون إلى اجراء مسح لتحديد ملاك الادارة اللبنانية، وحاجتها إلى موظفين جدد، وهو المطب الأهم الذي وقعت فيه الدولة بعيد إقرار السلسلة، ذلك أن سوء تقدير عدد الموظفين المستفيدين من زيادة الأجور، أدى إلى سوء تقدير كلفة السلسلة، ما أوقع الدولة في مشكلة عدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها. وهي مشكلة تفاقمت مع لجوء بعض الأحزاب السياسية إلى السلاح الانتخابي الأمضى: التوظيف الانتخابي، قبيل حلول موعد الاستحقاق النيابي، قبل عام من اليوم.
وفي انتظار توافر النية الجدية في اجراء المسح المنشود هذا، تطرح المصادر ما تسميها حلولا عملية، وإن كانت غير سريعة، لوقف الهدر ورفع الواردات، بينها أولا التشدد في تطبيق القوانين، لا سيما في ما يتعلق بجباية الضرائب، حيث أن اعتراضات كثيرة تسجل على ما يعتبر “تفلتاً ضريبيا تنعم به بعض المناطق، وهو ما ينطبق أيضا على دفع فواتير استهلاك الكهرباء، فيما تتشدد الادارات المعنية في مراقبة الجباية في أماكن أخرى. وإذا كان دخول خطوة كهذه حيز التنفيذ يتطلب قرارا جريئا على المستوى السياسي، فإن المصادر تدعو إلى ملء الوقت “المستقطع هذا بتشديد الرقابة والتدقيق في مرفأ بيروت لكشف مكامن الهدر والفساد في هذا المرفق العام، كما في جمارك مطار رفيق الحريري، في مواجهة “السماسرة الذين يعملون على تمرير البضائع من دون دفع الرسوم الجمركية المتوجبة للدولة.
 
وإذ تطالب المصادر، بإلغاء الرسوم والضرائب على السيارات الفخمة وتلك المفيّمة التي يصل عددها الى المليون سيارة تقريباً، والاعفاءات الجمركية، فإنها تحض المعنيين على حل معضلة الأملاك البحرية، خصوصا أن تقارير أعدها مصرف لبنان تشير إلى أنها (أي الأملاك البحرية) تكلف لبنان مبلغا يتراوح بين 4 و5 مليار دولار سنويا.
 
أما في ما  يتعلق بالتلزيمات التي تجريها الدولة، فتشير المصادر إلى أن إعادتها كلها إلى  إدارة المناقصات من شأنها أن تضع حدا لما يعتبره بعض الدائرين في الفلك المعارض هدرا وفسادا يشوبها، ضاربين المثل بخيار استئجار بواخر الطاقة، طبقا لما نصت عليه خطة الكهرباء التي أعدها الوزير السابق سيزار أبي خليل، في مقابل الدعوات التي لا تنفك الحكومة تتلقاها عن ضرورة تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي أقره المجلس السابق في 2017.

المركزية

Leave a Comment