من يريد أن يدّفع لبنان فاتورة إقليمية أكبر من قدرته؟

لبنان أصغر من أن يدفع فاتورة صراعات المنطقة”، هذا القول للرئيس نجيب ميقاتي، تعبيرًا عن واقع مفروض على لبنان، الذي يعيش على مفترق أزمات متواصلة وحلقة مترابطة من المصالح الإقليمية المتضاربة والمتناقضة والمتنافرة، والتي يتأثر بها لبنان سلبًا، بفعل إرتباط بعض من الداخل مع هذا الإمتداد الخارجي، والذي لا يتوانى عن إستعمال الساحة اللبنانية الداخلية كصندوق بريد لإيصال رسائل مشّفرة أحيانًا، وواضحة أحيانًا أخرى، الأمر الذي دفع الحكومة الميقاتية في العام 2011، أي قبل ثماني سنوات، إلى إطلاق شعار “النأي بالنفس”، وهو مصطلح أصبح معيارا سياسيا بكل ما لها من معنى في القاموس السياسي، لاعتباره ان لا مصلحة للبنان إلا بأن ينأى بنفسه عن الكثير من المواضيع العربية، وألا يكون على عداء مع أي طرف عربيّ أيا كان هذا الطرف، ومهما كان موقعه من الأزمات في المنطقة.

ولأهمية هذه المعادلة تبنىتها كل الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011، وسعت إلى تضمين بياناتها الوزارية، وهذا ما لحظه بيان حكومة “العهد الأولى”، الذي على اساسه ستتقدم يوم الثلثاء المقبل من المجلس النيابي لنيل ثقته على اساسه، وجاء فيه: “لقد نجح اللبنانيون في المحافظة على السلم الأهلي ومقتضيات العيش المشترك رغم الحروب والأزمات التي اجتاحت كامل المحيط، وفي الإصرار على اعتماد الحوار سبيلا لحل الخلافات والنأي بالنفس عن السياسات التي تُخل بعلاقاتنا العربية”.

وعلى رغم كل الظروف العصيبة التي مرّت بها المنطقة وتداخل مصالح الدول الكبرى، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، والدول الإقليمية، وتصارعها على الساحة السورية، بقي لبنان وفي حدود مقبولة محافظًا على وحدته الداخلية، على رغم إنخراط “حزب الله” في الحرب السورية، وعلى رغم موقفه من سياسة “النأي بالنفس”، خصوصًا أن جميع اللبنانيين يتذكرون كلامًا لرئيس كتلة “الوفاء للمقامومة” النائب محمد رعد عندما قال عن “إعلان بعبدا”: بلوه وشربوا ميتو”.

ولا يخفى ما كان للتدخلات الإسرائيلية عبر إستباحتها للأجواء اللبنانية للإغارة على مواقع سورية، وإستمرار إستفزازاتها الجوية والبرية والمائية من خلال تحدّيها للسطلة اللبنانية، ومن خلال رسائلها المباشرة إلى “حزب الله“، والذي تتولى واشنطن مهمة إيصالها إلى لبنان، من تأثيرات خطيرة على الإستقرار الداخلي وعلى جرّ لبنان إلى ساحة الصراع الإقليمي بما لا يخدم مصالحه في هذا الوقت بالذات، في ظل إحتدام الصراع الأميركي – الإيراني.

وهذا ما سبق أن عبرّ عنه الرئيس ميقاتي في أكثر من مناسبة، وبالأخص عندما يتحدث عن مرحلة سابقة يوم “نجحنا في الصمود في وجه العواصف التي تحيط بنا واستطاعت الحكومة من خلال سياسة النأي بالنفس ان تحيد انعكاسات ما يجري في سوريا عن لبنان“، ومؤكدا أن “ما التزمت به حكومتنا من نأي بالنفس هو الخيار الوطني السليم، واي بديل عن هذا الخيار سوف يدخل لبنان في دوامة من الصعب الخروج منها”، وإعتباره أن “سياسة النأي بالنفس طوقت الفتنة”.

وفيما يصل وزير خارجية إيران إلى لبنان كان لافتًا ما تضمّنه بيان مجلس الأمنحول ضرورة تمسك لبنان بسياسة “النأي بالنفس” عن أزمات المنطقة، فهل ستنجح الحكومة الجديدة في السير في حقل ألغام “تطبيع” العلاقة مع سوريا؟

Leave a Comment