نسخة جديدة من “القمصان السود”…

أخرجت حوادث الجاهلية بما سبقها ورافقها وأعقبها من وقائع سياسية وميدانية، الى الضوء مجددا، “العورات” الجوهرية التي تحول دون قيام دولة فعلية في لبنان والتي تحاول البلاد عبثا التعايش معها او غض الطرف عنها، خوفا مما قد تثيره اية محاولة للنقاش فيها، من ردود فعل وعواقب ظهرت نماذج عنها في 7 أيار 2008… هذه “العورات” تتمثل وفق ما تقول مصادر سياسية “سيادية” لـ”المركزية”، بوجود أطراف محليين يعتبرون أنفسهم أقوى من القانون والدولة، ويلجأون الى استخدام “فائض قوّتهم” العسكرية، عند كل استحقاق وكلّما دعت الحاجة، سياسيا او قضائيا…

بحسب المصادر، هناك من يعمل اليوم لاشاحة الانتباه عن لبّ المشكلة، الا وهو استسهال شخصيات سياسية كيل الشتائم والاهانات لرموز وشهداء، وضربهم عرض الحائط الاجهزة القضائية، والتركيز في المقابل على “الشكليات” لناحية أحقية شعبة المعلومات، أم عدمها، في التوجه الى الجاهلية لجلب رئيس حزب التوحيد وئام وهاب او ابلاغه بضرورة المثول امام القضاء. كما لا يتردد هؤلاء في القول ان انتقال “الجهاز” الى البلدة الشوفية، تسبّب بمقتل مرافق وهاب محمد ابو ذياب، متناسين ان السلاح غير الشرعي المنتشر في أيدي مناصريه والذي استخدم لاستهداف آليات “المعلومات” وكأنها دوريات معادية، هو المسبب الاول للوفاة، بغضّ النظر عن “مصدر” إطلاق الرصاصة القاتلة، علما ان بيان قوى الامن اكد انها لم تطلق النار.
 
على اي حال، مواقف وهاب السبت الماضي قالت الكثير، وفق المصادر. فهو اشار، إبان المواجهات في الجاهلية الى ان “المسألة أصبحت لدى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، واذا كان الرئيس المكلف سعد الحريري يريد التفاوض، فليتفاوض مع سماحة السيد”. وكلامه هذا مثقل بالرسائل ويقود الى اكثر من استنتاج:
 
فهو يدل الى ان وهاب ما كان ليصعّد سياسيا وبعد ذلك “ميدانيا”، لولا ارتياحه الى ان “حزب الله” سيسانده بالوسائل المطلوبة “اذا حزّت المحزوزية”.
 
الا ان موقفه يشير ايضا الى احتمال ان تكون تحرّكات وهاب كلّها، في الايام الماضية، منسّقة سلفا مع الضاحية، في اطار الضغوط التي تمارسها على الرئيس المكلف للاتيان بحكومة تلتقي وشروط “حزب الله” من حيث الشكل والتوجهات السياسية والخيارات الكبرى (…)
 
وفي السياق، تتوقف المصادر عند انسحاب “المعلومات” من الجاهلية، وتقول انه قد يكون نتيجة لدخول حزب الله مباشرة على خط حادثة الجبل، حيث لوّح مسؤولوه خلال سلسلة اتصالات اجروها مع الاجهزة الامنية والمعنيين سياسيا بالقضية، بأن ذهاب الدولة أبعد، قد يقود الى ما لا تحمد عقباه.
 
وعليه، تشير المصادر الى ان ما حصل السبت يُعدّ صورة جديدة لـ”القمصان السود” الذين تنشرهم الضاحية في الشوارع، عندما تحتاج الى ايصال رسالة الى طرف سياسي ما. هذه المرة، نقلتها بالواسطة (من خلال وهاب) لا بالمباشر، وأبلغت الحريري وفريقه السياسي (التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية) أنها تمسك بورقة الاستقرار والسلم الاهلي ويمكن ان تلعبها في أي لحظة. اما السؤال الذي يفرض نفسه، فهو “هل ترضى الدولة، المتمثلة برئاسة الجمهورية والرئيس المكلف والاجهزة الامنية والقضائية، بالرضوخ للامر الواقع هذا؟ وهل تتنازل مرة جديدة “خوفا من الفتنة”، أم تبقى متمسكة بالقوانين والدساتير وأصول الديموقراطية”؟

Leave a Comment