هذا ما استدعى “لقاء كليمنصو”… وما سر التوقيت؟

ما زال الوسط السياسي في لبنان مشغولاً في فك ألغاز اللقاء الليلي الذي انعقد في كليمنصو بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري والنائب وليد جنبلاط. فهذا اللقاء جرى التعاطي معه كحدث سياسي يتجاوز في أبعاده ومعانيه الجلسة التشريعية “الضريبية” والتنسيق في شأنها. وهذا اللقاء الذي استضافه جنبلاط في منزله وانعقد بمبادرة وترتيب من الرئيس بري، بدا استثنائيا في اختراق بري للمألوف وانتقاله الى دارة جنبلاط متجاوزاً المحاذير الأمنية والاعتبارات السياسية “البروتوكولية”، وفي الانعقاد المفاجئ للقاء ومن دون مقدمات وفي توقيته “الإقليمي” الذي تزامن مع احتدام التوتر في المنطقة، وارتفاع وتيرة التهديدات الإسرائيلية والقراءة السياسية المعمقة لهذا اللقاء تفيد بالآتي:

1 – ثمة مراضاة لجنبلاط و”الوقوف على خاطره” كما يقال، وهو المنكفئ سياسياً مكتفياً بممارسة هواية “التغريد”، الممتعض من تهميش كبير لحق به منذ وصول الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا والتغيير الذي حصل في معادلة الحكم وقواعد اللعبة ووضعه “خارجا”. وهكذا فإن كل الملفات والقرارات تبت في اجتماع ثلاثي يجمع علي حسن خليل ونادر الحريري وجبران باسيل كما حصل عشية جلستي مجلس الوزراء ومجلس النواب ومررت فيهما سلفة وزارة الاتصالات والتشكيلات القضائية وقانون الضرائب.

2 – ثمة حاجة ومصلحة لدى كل من بري وجنبلاط لاستمالة واجتذاب الحريري وإبعاده عن الرئيس عون وفريقه. فمن دون الحريري لا يمكن ممارسة تأثير ونفوذ قويين داخل الحكم ولعبة السلطة.ومع الحريري يمكن إعادة خلط أوراق اللعبة التي تدور منذ عام على مستويين: مستوى لاعبي الصف الأول: نصرالله عون الحريري، ومستوى لاعبي الصف الثاني بري جعجع جنبلاط.

3 – ثمة عوامل وظروف استجدت وأثرت بشكل مباشر على الحريري وتدفع به الى إجراء أول تعديل في تموضعه السياسي منذ عام:

– من جهة، لم تعد علاقته مع الرئيس ميشال عون كما كانت، وهذه العلاقة كانت خلال سنة منتجة ومثمرة على صعيد إدارة الدولة والمشاريع والتعيينات، ولكن طرأ عليها فتور بسبب سياسي يتصل بذهاب الرئيس عون ومعه الوزير جبران باسيل الى أبعد مما كان متوقعاً ومما يستطيع الحريري تحمله على صعيد الموقف والعلاقة مع حزب الله والنظام السوري.

وهذا المسار الذي كان لقاء باسيل – المعلم في نيويورك أوضح مؤشر عليه، لا يستطيع الحريري أن يجاريه ويكلفه في بيئته السنية وفي علاقته مع السعودية.

– من جهة ثانية، احتدمت الأزمة بين حزب الله وخصومه العرب ووصلت الى مستويات متقدمة وخطرة، ولم يعد بإمكان الحريري أن يلتزم الحياد في هذا النزاع، أو أن يستمر في محاباة حزب الله ومسايرته وتوفير التغطية الحكومية و”السنية” على حد سواء.

– من جهة ثالثة، يتعرض الحريري لضغوط داخلية و”عربية” للانخراط في الخطة الجديدة المعدة لمواجهة حزب الله في لبنان، وليكون على رأس الفريق المناهض للحزب ولإيران، فإذا لم يفعل في مرحلة الفرز بين “معنا أو ضدنا”، فإن الدور القيادي سيؤول الى آخرين.

خلاصة كل هذا الوضع أن الحريري بات مضطرا لإعادة تموضع سياسي. فما اعتقده لجهة اتكاله ورهانه على الرئيس عون لإقامة توازن سياسي في الحكم والدولة بوجه حزب الله، ثبت أنه اعتقاد خاطئ.

فكان أن تحول الحريري الى توازن سياسي جديد “ثلاثي الأبعاد” في وجه ثنائية تحالف نصرالله – عون، وما تفاداه منذ أشهر على صعيد الانخراط في الحملة ضد حزب الله وحمل لوائها، صار ملحاً وضاغطاً عليه، فكان أن اختار “تموضع” الحل الوسط.

وبين الاستمرار بشكل أو بآخر في محور حزب الله عون، وهو مكلف وبمثابة نزف سياسي وشعبي له، وبين الانتقال الى خيار المواجهة ومغامرة الخروج من رئاسة الحكومة اختار الحريري أن “يحتمي” بإطار ثلاثي يجمعه مع جنبلاط وبري.

4 – ثمة قلق لدى بري وجنبلاط من منحى التطورات في المنطقة، والتي بدأت تلفح لبنان الداخل حديثا في نطاق الصراع مع إيران، وأيضا في نطاق خطة ترامب بامتداداتها، والواقع أيضا تحت تأثير حرب إسرائيلية محتملة، وأيضا تحت تأثير ما يرسم ويحاك للمنطقة من مشاريع تقسيم ونزاعات وحروب جديدة بدءا من كردستان العراق وما يقلق بري وجنبلاط أن يفقد الحريري طاقة التحمل والقدرة على الصمود تحت ثقل كل هذه الضغوط فينهار وتسقط الحكومة وتطير الانتخابات والتسوية والاستقرار، ولذلك لابد من “احتضان” الحريري وتدعيمه كي يبقى “واقفا على رجليه”.

 

Leave a Comment