هل يُطلق “حزب الله” رصاصة الرحمة على التسوية؟

لا ريب في أن حادثة قبرشمون تتجاوز، في مفاعيلها السياسية، الكباش الاعتيادي الذي آلفه اللبنانيون بين الأطراف المتناحرين دوما على تناتش الحصص وتسجيل المكاسب السياسية في مرمى الناس والبلاد والعباد. ذلك أنها أثبتت أن الوضع السياسي لا ينقصه إلا فتيل (أو قتيل) لتنفجر القلوب المليانة حوادث تحدث الأضرار في الأرواح والممتلكات. على أن قراءة متأنية لما حملته حوادث الجبل الأخيرة تفيد بأن الهدف يتخطى بأشواط تصفية الحسابات بين الدائرين في فلك العهد والوزير جبران باسيل من جهة، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي سار بالتسوية الرئاسية الشهيرة على مضض، ولم يخف يوما امتعاضه من هذا الخيار، إلى حد الاقدام على خوض المواجهة المفتوحة مع العهد وأركانه وحلفائه.
 
من هذه الزاوية أيضا، تقارب مصادر سياسية مراقبة عبر “المركزية” المشهد السياسي السائد في البلاد منذ الثلثاء الفائت، تاريخ تأجيل رئيس الحكومة سعد الحريري جلسة مجلس الوزراء الأخيرة.
 
وإذا كان الجميع يسلّم بأن قرار الحريري هذا، جنّب الحكومة انفجارا من الداخل لا تحمد عقباه ولا يريده أي من مكونات تشكيلة “إلى العمل” ذات التركيبة الهشة، فإن المصادر تنبه إلى أن هذا لا ينفي أن شظايا الكباش حول إحالة الجريمة أو عدمها إلى المجلس العدلي، طالت التسوية الرئاسية برمتها.
 
وفي محاولة لشرح هذا الموقف، تلفت المصادر إلى أن رئيس الحزب الديموقراطي النائب طلال إرسلان لا يزال على موقفه لجهة الاصرار على المجلس العدلي، ما يعني استمراره في خوض المواجهة مع القوى المصنّفة سيادية في الحكومة، على رأسها تيار المستقبل (بفعل رفض الحريري نقل كرة نار قبرشمون إلى المجلس العدلي)، والحزب التقدمي الاشتراكي، بطبيعة الحال، والقوات اللبنانية. صورة لا يغيب عن بال المصادر نفسها أن تضيف إليها تموضعا لافتا لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي- وفي خيار يعد نادرا- يخالف حزب الله المتضامن مع إرسلان في مطلبه.
 
إلا أن المصادر تشير إلى أن الحزب يدرك بوضوح أن لا بديل من الحكومة الحالية في المرحلة الراهنة، تماما كما أن أي شخصية سنية لن تستطع الحلول مكان رئيس الحكومة سعد الحريري في الرئاسة الثالثة. لكن الأهم، وربما الأدهى، يكمن، بحسب المصادر، في أن موقف التيار الوطني الحر من هذا الملف قد يقود التسوية الرئاسية التي كان الجميع، حتى اللحظة على الأقل، يتحركون تحت سقفها مهما علا صراخ التصعيد السياسي، إلى مكان آخر تماما، من زاوية ضرب العلاقات بين أركان التسوية الأربعة: التياران الأزرق والبرتقالي، إضافة إلى معراب والمختارة.
 
وتشير في السياق إلى أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أكد، في إطلالته التلفزيونية مساء أمس، على الرواية “الارسلانية” لحادثة الجبل، مؤيدا مطلب “الديموقراطي” في إحالة الملف إلى المجلس العدلي، ما يعني مضيه في خوض المواجهة مع ثلاثي بيت الوسط- المختارة- معراب، وهم أصحاب اليد الطولى في وصول العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى، في مؤشر خطر إلى احتمالات الإجهاز على التسوية لصالح الفريق الدائر في فلك حزب الله”.
 
وتذكّر المصادر في هذا الاطار بأن رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، عبّر أمام وفد اشتراكي أمس، عن هذه الخشية، معتبرا أن الحزب خرج منتصرا من التسوية الرئاسية وفرض خياراته على البلاد عند كل الاستحقاقات السياسية من قانون الانتخاب، مرورا باستحقاق 2018  النيابي وصولا إلى تشكيل الحكومة التي نجحت الضاحية في ضم جميع حلفائها إليها.
 
غير أن المصادر تختم مشيرة إلى أن الكلام الذي تحفل به الكواليس السياسية عن احتمالات إقدام القوات والاشتراكي على الاستقالة من الحكومة لن يجد له ترجمة عملية، لأن أي خطوة من هذا النوع ستكون لها مفاعيل سياسية “خطرة”، ليس أقلها تكريس إنعدام التوازن السياسي في البلاد (لصالح ايران والمحسوبين عليها)، إلى حد إصابة العهد بنكسات سياسية كبيرة هو في غنى عنها في المرحلة الراهنة على الأقل.

المركزية

Leave a Comment