وثيقة الأخوة الإنسانية.. في عيون رجال الدين

من “صرح زايد”، ‏الذي يحمل عبق ‏وتاريخ رجل أسس دولة ‏على مبادئ الإنسانية والمساواة، اجتمع رجال أديان مختلفة من شتى أنحاء العالم، في قلب العاصمة الإماراتية، ليكونوا شهودا ‏على لحظات تعيد كتابة تاريخ جديد، بأيدي البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وشيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب.
 

ففي أبوظبي، ‏شهد العالم اليوم ‏ولادة وثيقة “الأخوة الإنسانية” من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، ‏والتي تمت بحضور نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، وولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد.

وقد ركزت الوثيقة على عدد من النقاط المهمة، أبرزها ‏التأكيد على أن الأديان “لم تكن أبدا مثيرة للعنف وإراقة الدماء”، كما تطرقت إلى عدد من القضايا والمشكلات، التي يعاني منها العالم اليوم، ‏مثل التشدد والإرهاب والفقر، ‏داعية العالم أجمع إلى ‏التكاتف من أجل التوصل إلى حلول. ‏ويمكن الاطلاع على نص الوثيقة كاملة هنا. 

وعن رأيه في هذه الوثيقة وما تمثله، ‏قال رئيس جامعة الأزهر، محمد حسين المحرصاوي، لموقع سكاي نيوز عربية: “‏هذا يوم تاريخي، إذ يشهد العالم أجمع تجمعا فكريا يعكس السمو الأخلاقي، لإقرار هذه الوثيقة”.

وأشار المحرصاوي‏ إلى أن توقيع الوثيقة في الإمارات ‏يعكس رسالة مهمة، قائلا: “‏الإمام الأكبر من مصر ‏وهي في أفريقيا، ‏وبابا الفاتيكان من أوروبا، ‏بينما تقع الإمارات في آسيا، ‏وهذه دلالة على أن الأخوة الإنسانية لا تقتصر على مكان أو زمان أو عقيدة أو لون”.

واعتبر رئيس جامعة الأزهر أن أحد أهم ما جاء في الوثيقة، ‏والذي أكد عليه الإمام الأكبر أحمد الطيب في كلمته، ‏هو رفض مصطلح الأقلية، ‏بغض النظر عن الديانة، ‏مشيرا إلى أنه مصطلح يدعو “للتهميش”، ‏مطالبا باستبداله بمصطلح المواطنة، ‏‏”كدعوة للاندماج ‏الإيجابي في المجتمعات، والتأكيد على أن الجميع في الوطن هم مواطنون”.

البطريرك الراعي
وقال البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال المؤتمر، انّ «الدين، من جهته، يشكّل تحدّياً إيجابياً وسلبياً. التحدّي الإيجابي هو أنّ الأديان لا تصنع الحروب، بل أتباعها يصنعونها لجهلهم مفهوم الدين أو لتسييسه من أجل غايات خاصة. والتحدّي السلبي هو أنّ مجموعات أو منظمات إرهابية مسيّسة ترتكب العنف والقتل والتطهير العرقي باسم الله الواحد الوحيد، علماً أنّ «إسم الله الواحد الوحيد هو إسم السلام والآمر بالسلام»، على ما كتب القديس البابا يوحنا بولس الثاني. بسبب هذا التحدّي المزدوج يمكن للدين أن يقود إلى الأحسن إذا كان مشروع قداسة، أو إلى الأبشع إذا كان مشروع تسلّط».

ورأى أنّ «الاختلاف في الدين والثقافة والرأي لا يعني عداوة. بل يُغني في النظرة إلى الأمور، ويساعد في البحث عن الحقيقة التي تجمع وتحرّر. أما التنوّع الديني والثقافي والعرقي فهو ضروري للتكامل والاغتناء المتبادل، ويساعد على الإقرار بأنّ الله سبحانه يعمل بشكل غير مدرَك في داخل كل خَلق من خلائقه. ألسنا نقرأ في القرآن الكريم: «لو شاء ربّك لجعلكم أمّة واحدة؟».

المطران عودة
بدوره، ألقى متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده كلمة في «مؤتمر الأخوة الإنسانية» في أبوظبي، قال فيها: «إذا كانت الديانات الثلاث الأساسية في العالم تدعى سماوية، هذا يعني أنّ موطننا هو الملكوت، ويجب أن نعمل منذ الآن على إحلال هذا الملكوت في قلوب الجميع.

السياسة والتعصّب واستثمار المشاعر الدينية في إثارة العصبيات والعزف على وتر التشدّد والأصولية الدينية كلما أراد مسؤول الوصول إلى مآربه، لا تساعد في جعل الأرض تذوقاً مسبقاً للملكوت. علينا جميعاً بث روح المحبة والتآخي، والإسترشاد بمبادئ الدين والأخلاق مع عدم استغلال الدين في أمور السياسة. مطلوب أيضاً أن نرسي مبادئ الحوار الحقيقي، أي الصراحة والصدق والإنفتاح والشفافية، وهذه لا تتحقّق إلّا بالمحبة وتجاوز «الأنا»، ونبذ المصالح الشخصية، واحترام الآخر وصون حريته وكرامته، والتمني له ما يتمنى للذات».

‏‏من جانبه، أشار مدير المعهد الدولي لحرية الأديان، الأسقف الألماني، توماس شيرماخر، ‏إلى “أهمية العمل المشترك بين المسلمين والمسيحيين، ‏‏نظرا لأن هاتين الديانتين هما الأكثر انتشارا في العالم، وهو ما تجسد في المؤتمر”.

‏وأضاف: “‏يجيب على المسلمين والمسيحيين أن يعملوا سويا من أجل الأخوة الإنسانية في هذا العالم، ليحذو ملايين الناس حذوهم ونتمكن من بناء هذا العالم معا،‏ ونحل المشكلات التي لدينا مثل الفقر والحروب التي لا داعي لها في مناطق مختلفة من العالم.

 التطبيق على الأرض

‏ولترجمة هذا إلى أفعال على الأرض، قال شيرماخر: “‏يجب أن نفهم في قلوبنا أن الله يريدنا أن نعيش مع الآخرين ومن أجل الآخرين، وأن نعيش في سلام، ليصبح هذا هو الأساس في حل مشاكلنا، بأن تنبع تلك القناعة من قلوبنا؛ لكي نتمكن من النظر إلى جارنا أو صديقنا دون أن نصنفه، ‏وأنا نراه كبشر مثلنا فقط”.

‏أما مفتي كرواتيا، عزيز حسنوفيتش، فشدد ‏على أن هذا اللقاء شكل “فرصة جيدة لإرسال رسالة للناس من جميع الديانات تدعوهم للسلام، قائلا: “‏أود أن أشكر دولة الإمارات لأن هذا المؤتمر الذي احتضنته يؤكد على أن الإسلام هو دين السلام والتعايش”.

ودعا حسنوفيتش “‏الناس جميعا لأن تبدأ صفحة جديدة بعد هذا المؤتمر لإيصال رسالة المحبة والسلام والتعايش”.

“كل عام هو عام التسامح”

ورأى ‏رئيس مؤسسة التفاهم العرقي في أميركا، الحاخام مارك شناير، أنه ‏من الضروري أن تتحول هذه الفعاليات واللقاءات ‏إلى قوانين وأشياء تطبق في تركيبة مجتمعاتنا، كي يتمكن الناس من إحداث فرق”.

وأشاد الحاخام “بالدور ‏الرائع الذي تلعبه الإمارات‏ فيما يتعلق بجعل الحوار بين الأديان من أولوياتها، فهي تعمل على أن يكون كل عام هو عام التسامح وليس عام 2019 فقط”.

وعن المعنى الحقيقي للتسامح، قال ‏الأمين العام لجمعية علماء أهل السنة والجماعة بعموم الهند، ‏الشيخ أبو بكر بن أحمد، ‏لموقع سكاي نيوز عربية، إن “التسامح لا يعني ‏أن يتخلى أبناء الدين معين عن ت ثقافتهم ومعتقداتهم، وإنما أن يكون لكل فرد ثقافته ودينه ومعتقداته دون ‏أن يفقد احترامه للآخر”.

‏وفي هذا السياق، اعتبر ‏رئيس المركز الأردني لبحوث التعايش الديني، ‏الأب نبيل حداد، ‏أن الكثير من المسلمين والمسيحيين “خرجوا عن النص”.

وأضاف: “‏على المسلمين والمسيحيين أن يتذكروا أن من واجبهم العمل سويا.. ‏والعمل لا ينتهي اليوم بهذا اللقاء وإنما يبدأ بعده”.

وتابع: “‏علينا أن نخرج من هنا ونحن نضع نصب أعيننا أنه يجب أن ننشر ثقافة جديدة وهي ثقافة الأخوة التي كانت محور هذا اللقاء.. ‏يجب أن نأخذها معنا خارج جدران القاعات ونطاق الاجتماعات، ونحاول قدر المستطاع أن ننشرها بين جيل الشباب بكل الوسائل المتاحة، وأن نتذكر بأن المسافة الأقصر لقلوب الناس هي بالحكمة والموعظة الحسنة”.

Leave a Comment

Accessibility
Close
Font Resize
A- A+